ابن قيم الجوزية

64

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الصامت قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من قال أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله اللّه من أي أبواب الجنة الثمانية شاء » وفي لفظ « ادخله اللّه الجنة على ما كان من عمل » وفي صحيح مسلم « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعطى أبا هريرة نعليه فقال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللّه مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة . » وقال روح بن عبادة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن قال : « ثمن الجنة لا إله إلا اللّه » . . وروى أبو نعيم من حديث أبي الزبير عن جابر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « لا يدخل أحدا منكم الجنة عمله ولا يجيره من النار ولا أنا إلا بتوحيد اللّه تعالى » وإسناده على شرط مسلم وأصل الحديث في الصحيح . ( فصل ) وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن الجنة إنما تدخل برحمة اللّه تعالى وليس عمل العبد مستقلا بدخولها وإن كان سببا ولهذا أثبت اللّه تعالى دخولها بالأعمال في قوله بما كنتم تعملون ، ونفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دخولها بالأعمال بقوله : « لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله » ولا تنافي بين الأمرين لوجهين ( أحدهما ) ما ذكره سفيان وغيره قال كانوا يقولون النجاة من النار بعفو اللّه ، ودخول الجنة برحمته واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل على هذا حديث أبي هريرة الذي سيأتي إن شاء اللّه تعالى أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم ، رواه الترمذي ( والثاني ) أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلا للآخر والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وإن لم يكن مستقلا بحصوله وقد جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم بين الأمرين بقوله « سدودا وقاربوا وأبشروا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله . قالوا ولا أنت يا رسول اللّه . قال ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » ومن عرف اللّه تعالى وشهد مشهد حقه عليه ومشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به واللّه سبحانه وتعالى المستعان .